منطلقات التسامح عند الفلاسفة المسلمين
محمد أحمد عواد
حلل بوبر مفهوم التسامح الذي قدمه فولتير واشتق منه ثلاثة مبادئ، هي:
المبدأ الأول: قد أكون أنا على خطأ وقد تكون أنت على صواب.
المبدأ الثاني: عبر تفاهمنا حول الأمور بشكل عقلاني قد نصل إلى تصحيح بعض أخطائنا.
المبدأ الثالث: إذا تفاهمنا على الأمور بشكل عقلاني، قد ندنو معــــاً مـــن الحقيقة.
ثمة اتجاه يذهب إلى أنَّ العالم الحديث لم يعطِ أهمية كبرى لمسألة التسامح رغم أنها كانت الشغل الشاغل للغرب منذ عصر النهضة. ولا يكتفي أصحاب هذا الاتجاه بهذه القضية، وإنما يؤكدون أن هذا الغياب مرتبط بحالة تاريخية سابقة. فالحضارة العربية الإسـلامية، في زعمهـم، كانت بعيـدة عن مسألة التسـامح كما يقول أحد الدارسين: ” فإنَّ الواقع المدهش حقا هو أنَّ التسامح الذي يعتبر سمة عامة في الفكر الغربي منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر وفكرة معاصــرة في زماننـــا هذا. هذا التســامح يبدو في المقـام الأول غائبــــا عن اللغة العربيـــــة، وبالتالي غائباً غياباً تاماً عن أنماط التفكـير كـافة والتي تعمل عبر هذه اللغة”\(1).
انتشرت فكرة التسامح في أوروبا منذ عصر النهضة، وتعامل معها المفكرون، لذلك نجد فولتير، وجون لوك ثم كانط وغيرهم يكتبون عنها. وقد ولدت تلك الكتابات عقب الأحداث التي وقعت “في القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، كانت أوروبا قد تحولت إلى أرض يباب بفعل الحروب الدينية”(2)، ولذا كان الحل هو في الفصل بين الدين والدولة، هو بصورة أخرى عقيدة العلمانية، فالتعصب والدمار “علما البشر بأقصر السبل الممكنة درس التسامح القاسي” (3).
يمكن بالطبع أن يكون التسامح “قد نشأ ردة فعل على حروب أوروبا الدينية” (4). ويمكن أيضا أن يكون نشأ “بالتواكب مع نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي”(5). ويخلص سمير الخليل إلى أنَّ كلمة التسامح “ليست واحدة من تلك الكلمات التي تم النضال بشأنها خلال القرن التاسع عشر أو حتى في القرن العشرين، فلسبب من الأسباب تم تجاهل هذه الكلمة، وتم تجاوزها، أو بالأحرى اكتفي بمجرد النظر إليها على أنها من نافل القول كما لو أنها لا تعبر في حقيقة أمرها عن شيء… فلم يكن للتسامح من يفكر به أو ينطق باسمه”(6).
لم يكـن في نظـــام الإســـــــلام كنيسة، ولم توجـــــد طوائف دينيـــة كما كان الحال في أوروبـــا، كانت هناك خلافات، وفرق إسلامية مختلفة، ووقعت بعض الحروب، ولكن ليس بتلك الصورة ولا بذلك العنف.
كان تحييد الكنيسة والفصل بين الدين والدولة، ومطالبة الدولة بتعبير لوك، أن تتسامح مع الطوائف جميعاً ضمن حدود الدولة لا يشكل قاعدة في حالة خاصة في التاريخ، وفي ذلك يقول الدكتور برهان غليون:
“إنَّ هذه العلاقة المتوترة والعنيفة بين الدين والدولة لم تعرفها كل المجتمعات البشرية ولم تظهر بهذه الحدّة إلا في هذه الحقبة من تاريخ أوروبا، وفي هذه القارة وحدها”(7).
إنَّ الدفاع عن هذه الأطروحة ليس ممكناً على صعيد هذه الدراسة، ولكن يمكن الرجوع إلى برهان غليون فهو أفضل مدافع عن وجهة النظر هذه في كتابه “الدولة والدين”. وهو يؤكد أنَّ العلاقة بين الدين والدولة كانت في التاريخ الإسلامي علاقة “تعايش لا اندماج” (8). ولم تكن الدولة مضطرة لأن تنفصل عن الدين، بل أسست عليه بنيانها.
لم نقصد بالمرافعة السابقة أن نقدم تسويغاً لاختفاء الاهتمام بالتسامح في التراث العربي الإسلامي، لأنه كان موجوداً كما سـنرى في هذه الدراســـــة، وإن لم يكن بذلك الوضــــوح الذي تجـــلى به في الفـكر الأوروبــــي.
التسامح لغة:
يقول ابن منظور:
“سمح” التسامح والسماحة: الجود…
يقال: سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء..
والمسامحة: “المساهلة، وتسامحوا: تساهلوا…
وفي الحديث المشهور: السماح رباح أي المساهلة في الأشياء تربح صاحبها…
وسمح وتسمح: فعل شيئاً فسهل فيه… (9).
التسامح لغةً هو الجود والعطاء عن كرم وسخاء، وهو المساهلة.
والجود هو “مبدأ إفادة ما ينبغي لا بعوض، فلو وهب واحد كتابه من غير أهله أو من أهله لغرض دنيوي أو أخروي لا يمكن جوداً”(10).
مبادئ التسامح:
قدم كارل بوبر (11) تحليلاً معمقاً لمفهوم التسامح، وانطلق في ذلك من التعبير الذي قدمه فولتير للتسامح، إذ يقول:
إنَّ ما من أحد رأى هذا كله بأوضح مما فعله فولتير، ولا أحد ضاهى فولتير في روعة التعبير عنه، حيث يكتب (وأنا أنقل هنا نقلاً حراً):
وما هو التسامح، إنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية، إننا جميعاً من نتاج الضعف، كلنا هشّون وميالون للخطأ، لذا دعونا نسامح بعضنا ونتسامح مع جنون بعضنا بشكل متبادل، وذلك هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة”(12).
لا شك في أنَّ مرافعة فولتير كانت موفقة، ومتماسكة، “وهي مؤسسة على نظرة سقراطية تقول : إنني أعرف أني لا أعرف وبالكاد أعرف هذا.. وفي هذا ما يكفينا للمطالبة بضرورة أن نتسامح مع بعضنا بشكل تبادلي. لكنه لا يكفي للدفاع عن التسامح إذا شُنَّ ضده هجوم ما “(13).
ويضيف بوبر قائلاًً: “كان فولتير يرى بكل وضوح أنَّ على التسامح أن يكون تبادلياً: أي أنه يتعيّن عليه أن يقوم على مبدأ التقابل. لكنه لم يتوقع قيام مجتمع ديموقراطي يصبح فيه التسامح مبدأً مقبولاً، وليس فقط على شكل تسامح ديني، بل كذلك على شكل تسامح سياسي. كما أنه لم يتوقع أنه داخل مجتمع كهذا سوف تنهض أقليات لن تكون راغبة في تقديم مقابل للتسامح الذي تقدمه لها الأكثرية.. أقليات تقبل مبدأ اللاتسامح وتقبل بنظرية ضرورية العنف”(14).
حلل بوبر مفهوم التسامح الذي قدمه فولتير واشتق منه ثلاثة مبادئ، هي:
المبدأ الأول: قد أكون أنا على خطأ وقد تكون أنت على صواب.
المبدأ الثاني: عبر تفاهمنا حول الأمور بشكل عقلاني قد نصل إلى تصحيح بعض أخطائنا.
المبدأ الثالث: إذا تفاهمنا على الأمور بشكل عقلاني، قد ندنو معــــاً مـــن الحقيقة.
ويؤكد بوبر “أنَّ البحث عن الحقيقة والدنو منها عبر النقد المتبادل، لا يكون ممكناً من دون وجود درجة كبيرة من التسامح المتبادل. فمن السهل علينا معاً أن نكون مخطئين، والناس جميعاً قد يظلون لفترة طويلة من الوقت متفقين حول العديد من النظريات الخاطئة… بل وغالباً ما يكون الاتفاق نتيجة للخوف من اللاتسامح بل وحتى من استشراء العنف”(15).
تلك هي الصورة التي قدمها بوبر لمبادئ التسامح ومنطلقاته، والسؤال المطروح هو: هل ناقش الفلاسفة العرب المسلمون هذه القضية، وما هو مفهوم التسامح لديهم، وما هي المبادئ التي يرتكزون إليها؟
يعود الفضل إلى الكندي في تأسيس قضية التسامح على الصعيد الفلسفي، وهو ابتداءً يعرّف الفلسفة بأنها “علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان، لأنَّ غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق، وفي عمله العمل بالحق”(16)،.. ثم ينتقل الكندي إلى موقف الفيلسوف من التراث السابق، فيقدم نصاً بالغ الخطورة في قضيتنا، ولأهمية ذلك فسنورده كاملاً على الرغم من طوله”(17).
يقول الكندي:
1- ومن أوجب الحق ألا نذم (أحد) من كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزلية، فكيف بالذين هم أكثر أسباب منافعنا العظام الحقيقية الجدية.
2- فإنهم وإن قصروا عن بعض الحق، فقد كانوا لنا أنساباً وشركاء فيما أفادونا من ثمار فكرهم، التي صارت لنا سبلاً وآلات مؤدية إلى علم كثير مما قصروا من نيل حقيقته.
3- وسيما إذ هو بيّن عندنا، وعند المبرزين من المتفلسفين قبلنا من غير أهل لساننا أنه لم ينل الحق بما يستأهل الحق أحد من الناس بجهد طلبه ولا أحاط به جميعه.
4- بل كل واحد منهم أما لم ينل منه شيئاً وأما نال منه شيئاً يسيراً بالإضافة إلى ما يستأهل الحق، فإذا جمع يسير ما نال كل واحد من النائلين الحق منهم اجتمع من ذلك شيء له قدر جليل.
5- فينبغي أن يعظم شكرنا للآتين بيسير الحق فضلاً عمّن أتى بكثير من الحق، إذ أشركونا في ثمار فكرهم وسهلوا لنا المطالب الخفية الحقية بما أفادونا من المقدمات المسهلة لنا سبل الحق.
6- فإنهم لو لم يكونوا لم يجتمع لنا مع شدة البحث في مددنا كلها هذه الأوائل الحقية التي بها خرجنا إلى الآواخر من مطلوباتنا الحقية.
7- فإنَّ ذلك اجتمع في الأعصار السالفة المتقدمة عصراً بعد عصر إلى زماننا هذا مع شدّة البحث ولزوم الدأب وإيثار التعب في ذلك.
8- وغير ممكن أن يجتمع في زمن المرء الواحد، وإن اتسعت مدته واشتد بحثه، ولطف نظره الدأب ما اجتمع بمثل ذلك من شدة البحث وألطاف النظر، وإيثار الدأب في أضعاف ذلك من الزمان الأضعاف الكثيرة.
9- فأما أرسطو طاليس مبرز اليونانيين في الفلسفة فقال: ينبغي لنا أن نشكر آباءنا الذين أتوا بشيء من الحق، فما أحسن ما قال في ذلك.
10- وينبغــــي لنا ألا نستحي من استحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنّا والأمم المباينة، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس يبخس الحق، ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به، ولا أحد بخس الحق، بل كل يشرفه الحق.
استناداً إلى نص الكندي السابق، يمكننا أن نشتق منه خمسة مبادئ تشكل منطلقات التسامح، وهي:
المبدأ الأول: من الضروري البحث عن الحقيقة لذاتها.
المبدأ الثاني: الحقيقة لا يحيط بها رجل واحد، ولم يحط بها جميهم.
المبدأ الثالث: الكل معرض للخطأ.
المبدأ الرابع: الوصول إلى الحقيقة يتطلب جهود الجميع.
المبدأ الخامس: التسامح ضروري لتحقيق التقدم.
لا يوجد هناك مشكلة فيما يتعلق بالمبادئ الأربعة الأولى، فهي واضحة في نص الكندي، أما المبدأ الخامس، وهو “التسامح ضروري لتحقيق التقدم” فليس واضحاً وجلياً، وإنما يستخدم الكندي هذا المبدأ بصورة غير مباشرة، إلى حد ما، والمقدمات التي تقود إليه يمكن رصدها بالصورة الآتية:
1- المطلب الكندي بشكر من يقدم المنافع الصغيرة.
2- وكذلك علينا شكر من يقدم المنافع الكبيرة.
3- نعم قد يخطئون ويقصرون في بعض الأمور.
4- لكنهم رغم ذلك شركاء لنا فيما قدموه.
5- ونحن بنينا على ما قدموه.
6- ينبغي أن يعظم شكرنا للآتين بيسير الحق فضلاً عمّن آتى بكثير الحق.
7- فهو يطالب بأن نتسامح تماماً مع المخطئ، ونشكره على يسير الحق الذي قدمه.
8- فهو إذاً يطالب بالتسامح حتى تتقدم المعرفة وهذا هو التسامح الفلسفي بالمعنى الحديث.
تبنى الفلاسفة اللاحقون المبادئ التي دشنها الكندي صراحة أو بصورة ضمنية، وأصبحت بمثابة افتراضات فلسفية يتطلبها نسق كل فيلسوف. كلهم يجمعون على هذه المبادئ، فالتسامح الفلسفي مطلب للجميع، ولا يسعنا في هذه الورقة تقديم الشواهد الكافية لدعم الحكم السابق (18)، وسأكتفي بشاهد آخر هو من ابن رشد إذ يقول، مثلاً: “فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، سواء كان ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملّة، فإنَّ الآلة التي تصح بها التذكية ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملّة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة، وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملّة الإسلام، وإذا كان الأمر هكذا، وكان كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه القدماء أتم فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك، فإنَّ كان صواباً قبلناه منهم، وإن كان فيه ليس بصواب، نبهنا عليه،.. وليس يلزم من أنه إن غوى غاوٍ بالنظر فيها، وزل زال، أما من قبل نقص فطرته، وأما من قبل سوء ترتيب نظره فيها، أو من قبل غلبة شهواته عليه أو أنه لم يجد معلماً يرشده إلى فهم ما فيها، أو من قبل اجتماع هذه الأشياء فيه، أو أكثر من واحد منها أن نمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها… (19).
المناظرة والتسامح:
تبنى الفلاسفة المسلمون (20) مبادئ التسامح، وهؤلاء تبنوا منطق أرسطو على صعيد المنهج . أما علماء الكلام فقد رفضوا منطق أرسطو، وطوروا منهجاً بديلاً عرف بمنهج المناظرة أو الجدل، وهذا المنهج قائم على مبادئ التسامح الخمسة، وما نعنيه هنا هو أنَّ مبادئ التسامح الخمسة أسست على الصعيد النظري فلسفياً وكلامياً.
أعيد الاعتبار حديثاً لمنهج المناظرة (21) أو الجدل، وهو يختلف عن جدل أرسطو. ويهدف منهج المناظرة من حيث المبدأ إلى الوصول إلى الحقيقة. وقد ناقش الجويني (22)هذا المنهج بطريقة مفصلة، ونريد الاعتماد عليه في الفقرات القادمة.
إنَّ ما يهدف إليه الجدل من وجهة نظر الجويني هو الوصول إلى الحق، ولذلك يفترض في الشخص الذي يشترك في الجدل أن يتقي “أن يقصد بنظره المباهاة وطلب الجاه والتكسب والمماراة، والمحك والرياء (23). ويفترض ألا يكون “قصده الظفر بالخصم والسرور بالغلبة والقهر…” (24).
يقول الجويني:
فأمَّا المناظرة: فهو مأخوذ من النظر، وكل مناظرة نظر، وإن كان ليس كل نظر مناظرة، من حيث أنَّ المناظرة مفاعلة، من النظر وهو نظر بين اثنين” (25)، وعنده “لا فرق بين المناظرة والجدال” (26). وأمَّا الجدل، فهو “إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقاماً من الإشارة والدلالة (27) . “ثم من الجدل ما يكون محموداً مرضياً ومنه ما يكون مذموماً محرماً (28).
يميز الجوين
المزيد